حسن الأمين
174
مستدركات أعيان الشيعة
فالموافقة عليها تغضب الإنكليز وهو حريص على إرضائهم . ورفضها يغضب الشعب الإيراني ويعده خيانة له ، إذ هي معاهدة تقيم بين الدولتين علاقات مستقيمة طيبة تحفظ حق إيران وكرامتها . فاخذ « السبهدار » يماطل في الجواب لعله يجد مخرجا . وظل يماطل إلى أن ألزمه المندوب الإيراني في موسكو بوجوب المبادرة إلى الجواب لأن المسؤولين السوفيات عيل صبرهم من المماطلة . فلم يجد « السبهدار » وسيلة سوى أن يعهد بالفصل في أمر هذه المعاهدة إلى مجلس الشورى الآنف الذكر فيتخلص من المسؤولية عند السفارة الإنكليزية إن كانت النتيجة إيجابية وعند الشعب إن كانت سلبية . أما السفارة الإنكليزية ، وقد خاب سعيها في توسيع الشقة بين دولتي روسيا وإيران ، فكانت تعلم أن مجلس الشورى لا يستطيع رفض المعاهدة لأن ليس فيها ما يضر بإيران بل فيها منفعة كبيرة لها . ومن ثم عمدت إلى تدبير آخر . فدعت في أوائل سنة 1921 م الموافقة للنصف الأول من شهر دي سنة 1299 ه . ش . الرعايا الإنكليز وسائر الأوربيين المقيمين في طهران إلى مغادرتها لاحتمال غزو البلاشفة لها . ونشر « البنك الشاهنشاهي » ( 1 ) بيانا دعا فيه أصحاب الودائع إلى استرداد ودائعهم منه . وكان ذلك كله قبل يومين من عرض المعاهدة الإيرانية السوفياتية على مجلس الشورى . والقصد منه التهويل بان الجيش الانكليزي عازم على الخروج من إيران وتركها فريسة للبلاشفة . وشئ آخر هو التلويح لمجلس الشورى بأنه إن وافق على تلك المعاهدة تصبح بريطانيا في حل من عهدها بالدفاع عن إيران ، إذ أن إيران نفسها اختارت الارتباط بالبلاشفة . ومن ثم يتردد المجلس في إبرامها خشية أن تتخلى إنكلترا عن إيران وتتركها فريسة للروس . ولكن مجلس الشورى اجتمع في الثامن من كانون الأول سنة 1921 م الموافق 18 دي ( 2 ) سنة 1299 ه . ش . ووافق على المعاهدة الإيرانية السوفياتية وآذنت الحكومة مندوبها في موسكو بذلك . ( 3 ) وشاع في طهران أن الرعايا الإنكليز عازمون على الرحيل عن إيران وأن « البنك الشاهنشاهي » قد ألغيت فروعه في بعض المحافظات تمهيدا لاغلاقه بل أخذ بعض الإنكليز يبيعون أثاث بيوتهم . واستدعت السفارة الإنكليزية رؤساء الادارات والمتاجر الإنكليزية فعقدوا جلسة أبلغتهم فيها السفارة أن على كل إنكليزي يمكن الاستغناء عن خدماته المبادرة إلى السفر من إيران . وجاءت هذه الحوادث ضغثا على إبالة الفساد المزمن والأزمات المتلاحقة ، وزادت في نقمة الناس ونفورهم ، خصوصا حين شاع بينهم خبر المذكرة التي بعثت بها السفارة الإنكليزية إلى الحكومة وشاع أن الإنكليز قطعوا مساعدتهم المالية عن إيران . فقامت تظاهرات في طهران وغيرها من الولايات . والأمور على هذا المنوال تسير من سئ إلى أسوأ . وأمر « أحمد شاه » بانعقاد مجلس الشورى للنظر في حل يرتئيه أهل الفكر ورجال السياسة والاقتصاد . فعقد هذا المجلس ثلاث جلسات ما بين التاسع عشر والرابع والعشرين من شهر دي سنة 1299 ه . ش . فلم يحصلوا على شيء . وقام زعيم كردي بثورة مسلحة في كردستان وأذربيجان . وعجز « السبهدار » رئيس الوزارة عن مواجهة الصعوبات فلم يجد بدا من الاستقالة . فاستقال في الخامس والعشرين من شهر دي سنة 1299 ه . ش . في عهد هذه الوزارة كان توقع حدوث انقلاب عاما . بل أقدم بعض الساسة والرؤساء على تهيئة مقدماته ومحاولته من عهد وزارة « وثوق الدولة » ثم « مشير الدولة » . ولكن الظروف لم تؤاتهم . بل حاول « أستار ولسكي » الروسي قائد فرقة القوزاق نفسه أن يقوم بانقلاب في عهد وزارة « مشير الدولة » ويقطع طريق الإنكليز ونضجت فكرة الانقلاب عند ساسة الإنكليز حتى أصبحت نية قاطعة . بل ذكر بعض الصحف الأوربية يومئذ أن الجنرال « إسمايلز » ( 4 ) والجنرال « يكسن » ( 5 ) الإنكليزيين يقومان بنشاط يتوخى هذه الغاية ، وكثر الحديث في إيران أن السيد « ضياء الدين الطباطبائي » يشاركهما في هذا النشاط . سياسة بريطانيا في إيران كانت انكلترا قررت سنة 1920 م تخفيض نفقات قواتها المسلحة . ولذلك قررت استدعاء عساكرها من إيران بعد تمهيد الأمور فيها بما يكفل تحقيق مصالحها . وضربت موعدا للجلاء أول شهر نيسان من سنة 1921 م الموافق 10 فروردين ( 6 ) سنة 1300 ه . ش . ولكن تطور الأوضاع في روسيا بعد انتصار الثورة البلشفية وتزايد قوة الاتحاد السوفياتي . يوما فيوما ، وهو جار إيران ، حملها على انتهاج تخطيط آخر تقتضيه التطورات الجديدة . وانتهى البحث والتفكير عند ساستها إلى وجوب إحاطة الاتحاد السوفياتي بحكومات موالية لانكلترا ، معادية للسوفيات . حكومات قوية متسلطة تحكم الدول التي تجاور الاتحاد السوفياتي وتكون سدا منيعا في وجهه . وهذا ما أرادت فعله في إيران قبل استدعاء عساكرها منها . وهو يقتضي إقامة قوة عسكرية محلية متمكنة . وكانت وسيلتها إلى ذلك توحيد الكتيبتين العسكريتين اللتين لا تملك إيران غيرهما ، وهما كتيبة القوزاق وكتيبة الدرك ، في كتيبة عسكرية واحدة يتولى قيادتها ضباط إنكليز . والتمهيد من ثم لانشاء جيش إيراني برعايتهم وتوجيههم . ولذلك كان الإنكليز لا ينفكون يطلبون من المسؤولين الإيرانيين عزل الضباط الروس عن قيادة الكتيبة القوزاقية ووضعها تحت قيادتهم ، إذ أنهم لا يستطيعون السيطرة عليها ما دامت في أيدي هؤلاء الضباط ، وإن كانوا قد قطعوا صلتهم بروسيا البلشفية . والإنكليز لا يطمئنون أيضا إلى موالاة هذه الكتيبة لهم ولو تنحى الروس عن قيادتها ، إلا إذا نظمت وفق تخطيطهم . فعليهم إذن إبعاد قادتها الروس ، وعليهم نزع سلاحها ودمجها في القوة العسكرية الموحدة المنوي إنشاؤها . ثم تسليح هذه القوة وتدريبها وفق خطتهم .
--> ( 1 ) بنك إنكليزي حصل الإنكليز على امتيازه في زمن « ناصر الدين شاه » سنة 1889 م و 1306 ه . ق . وكان يتولى إصدار النقد الورقي . ( 2 ) الشهر العاشر من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية ويقابله كانون الأول وكانون الثاني . ( 3 ) بعد عام تقريبا من هذا التاريخ عرضت هذه المعاهدة على المجلس النيابي فوافق عليها بالإجماع . وقد وفى الاتحاد السوفياتي بتعهداته التي فيها فور الموافقة عليها من مجلس الشورى وقبل عرضها على المجلس النيابي . ( 4 ) كان « إسمايلز » موظفا في قيادة كتيبة الدرك الإيرانية . وكان « ديكسن » في وزارة الحربية . وكلاهما من بقايا الخبراء والمستشارين الذين وفدوا إلى إيران فور عقد معاهدة سنة 1919 م . ( 5 ) كان « إسمايلز » موظفا في قيادة كتيبة الدرك الإيرانية . وكان « ديكسن » في وزارة الحربية . وكلاهما من بقايا الخبراء والمستشارين الذين وفدوا إلى إيران فور عقد معاهدة سنة 1919 م . ( 6 ) الشهر الأول من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية .